أخبار الانترنت

ما هي الثوابت والمتغيرات في الإسلام على ضوء الكتاب و السنة

الاختلاف ظاهرة يزخر بها الكون، وتحتفل بمفردتها الحياة، ويعيشها الإنسان في كل زمان ومكان.
فمن الاختلاف الليل والنهار والحياة والموت والذكورة والأنوثة، إلى اختلاف الألسن والألوان والميول والعادات والمواهب والقدرات، إلى غير ذلك من تجليات تؤكد الظاهرة، تكشف عن حقيقتها كسنة من سنن هذا الوجود.

الثوابت : جمع ثابت من ثبَت ـ بفتح الباء ـ يثبُت ـ بضمها ـ ثباتاً أي استقر، وثبُت ـ بضم الباء ـ يثبت ثباتة وثبوتة ،أي صار ذا حزم ورزانة ، ومنه ثابت القلب ، وثابت القدم ، وأثبت يثبت إثباتاً ، بمعنى التحقيق والإقرار ، ومنه قوله تعالى:( يمحو الله ما يشاء ويثبت )[1] ، أي يقره ويبقيه ، ومنه قوله تعالى: ( ليثبتوك أو يقتلوك….)[2] ، أي يبقونك في مكة ويمنعونك من الخروج أو يحبسونك…..، وأما التثبيت فهو التمكين من الثبات عند الشدة وفي التنزيل العزيز :  ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت )[3] .
والثبْت ـ بسكون الباء ـالثابت القلب،والعاقل الثابت الرأي،وبفتح الباء:الحجة الموثق به وجمعه أثبات [4] .
والمتغيرات : جمع المتغير ، وهو من تغيَّر إذا اختلف وقبل التغير[5]، والتغير هو الاختلاف في الصور ، أو الأجزاء ، أو الحقائق أو في إحداها ، قال أبو البقاء العكبري :( والتغيير هو عبارة عن تبديل صفة إلى صفة أخرى مثل تغيير الأحمر إلى الأبيض ، والتغير إما في ذات الشيء ، أو جزئه ، أو الخارج عنه)[6].
وورد لفظ التغير ومشتقاته في القرآن عدة مرات منها قوله تعالى : ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم )[7] ، وقوله تعالى :(فليغيرن خلق الله)[8] ، وقوله تعالى:(.. وأنهار من لبن لم يتغير طعمه )[9] .
الثوابت والمتغيرات في الاصطلاح :
المقصود بالثوابت هنا الأحكام الإسلامية التي ثبتت بأدلة قطعية الدلالة والثبوت أو بالإجماع الصحيح الثابت الذي مضت عليه الأمة في قرونها الثلاثة الأُوَل .
وعلى ضوء ذلك فالثوابت تشمل أركان الإيمان الستة ( الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، والقدر خيره وشره من الله تعالى ) ، وأركان الإسلام الخمسة ( الشهادة والصلوات الخمس ، والزكاة والصوم والحج لمن استطاع إليه سبيلا ) ، وتشمل كذلك القيم والأخلاق الثابتة ، والأحكام الأسس العامة لأحكام الأسرة في الإسلام ، والأحكام والمبادئ العامة للمعاملات والجهاد ، والعلاقات الدولية ، والقضاء ونحو ذلك ، والخلاصة أن كل حكم من أحكام الإسلام في جميع مجالات الحياة إذا ثبت بدليل قطعي الثبوت والدلالة أو بإجماع الأمة إجماعا صحيحا قائما على الدليل وليس العرف فهو من الثوابت التي يجب الالتزام بها ، وعدم التهاون في حقها ، إلا ما هو من قبيل الضرورات التي تبيح المحظورات .
وأما المتغيرات فالمقصود بها هنا هي الأحكام التي تثبت بدليل ظني ( سواء أكانت الظنية في دلالة النص وثبوته ، أم في أحدهما ) أو باجتهاد قائم على القياس أو المصالح المرسلة ، أو العرف ، أو مقاصد الشريعة أو نحو ذلك .
الثوابت والمتغيرات وصف للأحكام وليست وصفاً للنصوص:
إذن فوصف الثوابت والمتغيرات إنما هو للأحكام المأخوذة من الأدلة مباشرة أو استنباطاً ، وليس للنصوص الشرعية ، لأنها ثابتة لا يجوز تغييرها ولا تبديلها ولا التحريف فيها حتى ولو كانت ظنية ، فالنصوص الشرعية الظنية في الدلالة والثبوت ،أو في أحدهما نصوص ثابتة خالدة ولكن التجديد والتغيير في إمكانية إعادة النظر فيها من حيث ترجيح حكم مستنبط منها على حكم آخر ، أو استنباط حكم جديد منها ،أو نحو ذلك .
القيم الاعتقادية: 
فحقيقة وجود الله واتصافه بصفات الكمال وخلقه للكون وعبودية كل ما في الكون له والإيمان بالملائكة وكتب الله ورسله وباليوم الآخر، وإن غاية وجود الإنسان هي عبادة الله وأن هذه الدار دار ابتلاء وأن الآخرة هي دار الجزاء والخلود هذه كلها قيم ثابتة لا تقبل التبديل . 
 القيم الأخلاقية : 

والقيم الخلقية من صدق ورحمة وإحسان وعدل وأمانة وعفة وتعاون على الخير كلها ثابتة لا تقبل التبديل . 
الأهداف العامة : 

فالأهداف والمقاصد العامة للشريعة لا يعتريها تبديل، وهي أن الإسلام جاء ليحفظ على الناس دينهم ونفوسهم وعقولهم وأموالهم ونوعهم الإنساني وليحقق لهم مصالحهم في دنياهم وآخر تهم . 


القواعد الكلية : 
فالقواعد والأصول التي شرعها الإسلام في نظمه السياسية والاقتصادية والاجتماعية كقيم العدل والشورى و المساواة والحرية والنصح للحاكم والمحكوم والتآخي والتكافل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحماية الملكية الفردية – بحدودها وقيودها الشرعية – وتحريم الربا وإباحة سائر المعاملات التي لا ظلم فيها ولا غش ولا استغلال،ومسؤولية الأمة عن ضعفائها وعجزتها وفقرائها وتشجيع المواهب،وتطوير وإيجاد الصنائع الحربية والمدنية التي يحتاجها المجتمع، هذه كلها ثوابت لا تقبل التغير مهما تغيرت الأحوال والظروف . 
الأحكام القطعية : 

والأحكام القطعية التي شرعها الإسلام في ميدان الأسرة ككون النكاح هو الطريقة الوحيدة لإشباع الرغبة الجنسية ، وكالطلاق عند اقتضاء الحال وفي ميدان العبادات بثبات هيئاتها وأشكالها وأوقاتها وكالحدود والمقدرات الشرعية هذه كلها لا تقبل التبدل . 

الوسائل والأساليب : 

مثل: أن الإسلام حدد وظيفة الإنسان بأنها الخلافة في الأرض إلا أنه لم يحدد الصيغة العملية لها ، فبأي صيغة تحقق ذلك فهي مشروعة سواء كانت زراعة للأرض أو استخراجا لكنوز البحر أو تفجيرا للذرة وغيرها، مع أن تلك الوسائل يجب ألا تكون محرمة في ذاتها فلا تجوز السرقة لكسب المال-مثلا - 


 الجمع بين التوجيه والتشريع 
فقد اعتنت شريعة الإسلام بشأن الضمير الفردي وتربيته وشحنه بمعاني الخوف من الله ورجاء رحمته وحبه ، كي يكون أكثر مسارعة في تلبية داعي الله ولو لم تكن ثمة رقابة خارجية لكنها في ذات الوقت لم تعتمد عليه كليا بل كملت دوره بالتشريع الذي يرعاه المجتمع وتحميه مؤسسات العدل 

في مجال المعاملات : 

نجد الشريعة في هذا الميدان توجه الضمير نحو قيم العدل والأمانة في معاملة الناس وحب الخير لهم وإنصافهم من النفس وعدم ظلمهم وتدعوا إلى ترك الغش والخيانة كما نجد فيها بالإضافة إلى ذلك التشريعات المحددة والتي حرمت أنواعا من المعاملات تتضمن الظلم واستغلال حاجة الفقراء ، كالربا والغش والاحتكار ، كما نجد الضمانات القانونية التي تحقق العدل وتمنع الظلم ككتابة الدين توثيق العقود التي يحرسها القضاء فيفض فيها النزاع ويقطع الخصومات . 
في مجال الحلال والحرام : 

وتتجلى مزاوجة الشريعة بين التوجيه والتشريع في هذا المجال في أنها لم تترك البت في الحل والحرمة للضمير بل حددت الأشياء المحرمة واعتبرت ما عداها حلالا ولكن مع التوجيه بربط الصلة بالله والهتاف بالقلب أن يتقي الله ويبتعد عما حرم . 
في ميدان الأسرة : 

وفي ميدان الأسرة نجد التوجيه فمثلا في دعوة الزوجين إلى تعميق معاني الحب والسكينة والتعاون والتضحية بينهما : (( هن لباس لكم وأنتم لباس لهن )) وقال :((وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا )) كما نجد التشريع في قيام هذه العلاقة على عقد لا يتم إلا بالتراضي وفي الالتزامات القانونية المتبادلة بين الطرفين قال تعالى : ((ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف(( 
في مجال العقوبات : 

فقد شملت الشريعة في هذا الميدان من التوجيهات ما يولد لدي المؤمن الوازع القوي الزاجر عن ارتكاب الشر ومع ذلك حددت العقوبات الصارمة والرادعة عند المخالفة قال تعالى : (( من قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا )) وقال تعالى : ((والسارق والسارقة فاقطعوا أيدهما ((
وهكذا في كل ميدان من ميادين الحياة تكامل في شريعة الإسلام بين التوجيه والتشريع تكامل الوجدان والرقابة الداخلية مع دور مؤسسات العدل والرقابة الخارجية بحيث لا تفتك آية من آيات التشريع عن توجيه يصل القلب بالله ويستثير في الوجدان استشعار رقابة الله وخوفه وحبه وبذلك عبرت عن قيم عقيدة التوحيد حيث ربطت الإنسان قلبا وجوارح وحركة في الحياة بالله سبحانه .

         الثوابت والمتغيرات في قضايا المرأة الخاصة
لقد أعطى الإسلام للمرأة الحرية المطلقة في التمتع بالحقوق الشخصية، مثلها في ذلك مثل الرجل، سواء بسواء، غير أن تلك الحرية حين تكون مثارا للفتن والشهوات، ومظنة للمفاسد الاجتماعية، يتدخل الشرع لضبطها وتقييدها بضوابط من شأنها أن تعصم الفرد والمجتمع من تلك المفاسد.
فقد فرضت السنة على المرأة لباسا خاصا يحجب مفاتنها ويسترها عن أنظار الرجال، ويكبح عوامل الإغراء والفتنة من غير أن تتخلى عن واجباتها ومهامها الاجتماعية، إذا دعت الحاجة إليها، وجعلت السنة من ثوابت هذا اللباس كونه ساترا لجميع البدن عدا الوجه والكفين؛ فقد جاء عن النبيصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا. وأشار إلى وجهه وكفيه))، وأيضا كونه لباسا صفيقا فضفاضا لقوله صلى الله عليه وسلم: لأسامة بن زيد الذي ألبس امرأته قبطية: ((مرها فلتجعل تحتها غلالة، فإني أخاف أن تصف حجم عظامها)) والمراد بعظامها أعضاؤها البارزة، وهي مفاتنها.ِ
ومن الأحكام المتغيرة في لباس المرأة كونه مخالفا للباس الرجال ليتحقق تمايز المرأة عن الرجل، لما جاء عن أبي هريرة قال: (( لعن الله الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل)). و كونه ليس لباس شهرة لما في ذلك من شذوذ عما تعارف عليه الناس بقصد شد انتباههم وجدب أنظارهم. لما جاء في حديث رسول الله r أنه قال: ((من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة، ثم ألهب فيه نارا )). وكونه مخالفا لما تميزت به الكافرات لما في ذلك من تشبه بهن، لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: رأى رسول الله r علي ثوبين معصفرين، فقال: ((إن هذا من ثياب الكفار فلا تلبسها)). والعبرة في هذه المتغيرات جميعها بالعرف الذي لم يخالف الشرع فتكون موافقته مشروعة وإلا فلا.
وفي شأن سفور وجه المرأة نلحظ أن النصوص الحديثة التي جاءت فيه كانت على أنواع ثلاثة أولها: نصوص صحيحة جاءت دلالتها غير صريحة في إباحة كشف المرأة لوجهها وكفيها، أو المنع من ذلك، واثنيها: نصوص صحيحة صريحة في مشروعية كشف الوجه غير أن ذلك كان في مواضع خاصة كالحج والصلاة وعند الخطبة، وفي القياس عليها خلاف، وثالثها: حديث جاء صريحا في جواز كشف الوجه والكفين، وهو حديث أسماء بنت الصديق (رضي الله عنهما) غير أنه اختلف في صحته فضعفه بعضهم، وقواه آخرون كالبيهقي والألباني.
وعليه فإن هذه المسألة بكثرة نصوصها الحديثية، وقلة التصريح على حكمها، وتعدد الأقوال بشأنها نكاد نجزم أنها ليست من الثوابت الشرعية التي لا تلزم سوى حكما واحدا يجب اعتباره دون غيره، وأنها من المتغيرات التي تتغير بتغير أحوالها وبيئاتها، ولا ينكر فيها أصحاب رأي على أصحاب الرأي الآخر.
وفي شأن سفر المرأة من غير محرم نجد أن الأصل في هذه المسألة حديث النبي صلى الله عليه وسلم : ((لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم...))، والحكم فيها يعد من المتغيرات بين الماضي والحاضر؛ لأنه حكم معلل بعلة الخوف على المرأة حين تسافر من غير محرم، وهي علة متغيرة، وجدت في الزمن الماضي، وقد توجد في زماننا الحاضر في بعض الظروف، لكنها في الغالب منتفية بما توفر من أمن حال السفر. وفي هذه الحالة يتغير حكم النهي إلى الإباحة بشرط توفر الرفقة المأمونة التي تقوم مقام الزوج أو المحرم، ولا يتصور معها أن يلحق المرأة ما لا يليق بالمرأة المسلمة. وهذا الحكم هو ما يقتضيه رفع المشقة عن الناس وتحقيق مصالحهم؛ إذ ليس كل امرأة خرجت لطلب العلم في إحدى الجامعات، أو سافرت طلبا للعلاج في إحدى المستشفيات... تجد محرما يرافقها.
وفي مجال زينة المرأة فقد اعتبرت السنة النبوية تجمل المرأة بزينة عصرها أصلا فطريا، ومطلبا شرعيا، غير أنها نهت عن الغلو في الزينة، ومما عد من مظاهر الغلو في زينة المرأة المعاصرة تفليج الأسنان، ووصل الشعر، والنمص، وعمليات التجميل الجراحية، وذلك لما  تستوجبه من  لعنة الله ولعنة رسوله. فقد روي عن عبد الله ابن مسعود y قوله: لعن الله الوا شمات والمستو شمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن، المغيرات لخلق الله تعالى، مالي لا ألعن من لعن النبي r. وليس حكم تحريم هذه الأنواع من الزينة من المتغيرات في شيء، وإنما هو من الثوابت الشرعية التي لا عبرة فيها بتغير الزمان والمكان، وذلك لأن النصوص الحديثة التي استفيد منها هذا النهي الجازم لا تقبل الطعن في صحتها، كما لا تحتمل سوى دلالة واحدة. 
ما هي الثوابت والمتغيرات في الإسلام على ضوء الكتاب و السنة Reviewed by أم طه المغربية on 3:15 م Rating: 5

ليست هناك تعليقات:

تواصل معنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.